أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

208

نثر الدر في المحاضرات

ومرت به جنازة ، فقال : بارك اللّه لنا في الموت وفيما بعد الموت . فقيل : إنها جنازة نصرانيّ . فقال : إذن لا بارك اللّه لنا في الموت ، ولا فيما بعد الموت . وكانت لهم جارية يقال لها عميرة ، فضربتها أمّه ذات يوم ، وصاحت الجارية واجتمع الجيران على الباب . فخرج إليهم ، وقال : ما لكم ؟ عافاكم اللّه . إنّما هي أمّي تجلد عميرة . وصلّى بقوم وفي كمّه جرو كلب ، فلما ركع سقط الجرو ، وصاح وتنحنح الناس . فالتفت إليهم ، وقال : إنّه سلوقيّ عافاكم اللّه . وحمل جرّة خضراء إلى السوق يبيعها ، فقالوا : هي مثقوبة . فقال : ليس تسيل ، فإنّه كان فيها قطن لوالدتي ، فما سال منه شيء . وأعطاه أبوه درهما يزنه ، فطرحه في الكفّة ، وطرح في الكفّة الأخرى سنجة درهمين ، وهو يحسبهما سنجة درهم ، فلم يستويا ، فطرح سنجة الدرهم على رأس الدّرهم ، فكان أقلّ ، فطرح حبّتين أيضا ، ثم قال لأبيه : ليس فيه شيء ، وينقص حبّتين . ونظر يوما إلى السّماء ، فقال : ما أخلقها بالمطر لو « كان » متغيمة . ورأوه يوما في السوق يعدو فقالوا : ما شأنك ؟ قال : مرّت بكم جارية رجل مخضوب اللحية ؟ واجتاز يوما بباب الجامع فقال : لمن هذا القصر ؟ قالوا له : هذا مسجد الجامع . قال : رحم اللّه جامعا . ما أحسن ما بنى مسجده ؟ وذهبت أمّه في عرس ، وتركته في البيت ، وقالت له : احفظ الباب فجلس إلى الظهر . فلما أبطأت عليه قام ، فقلع الباب ، وحمله على عاتقه . ونظر إلى رجل مقيّد - وهو مغتمّ فقال له : ما غمّك ؟ إذا نزع عنك فثمنه قائم ، ولبسه ربح . وماتت خالته فقالوا : اذهب ، واشتر لها حنوطا ، فقال : أخشى ألّا ألحق الجنازة .